في مقهى فاس
في مقهى فاس
حين يعجز قلم الكاتب عن الكتابة، فاعلم أن القلب قد تراكمت عليه الهموم والمشاكل، ولا سبيل للخلاص منها، أو على الأقل هكذا يبدو له.
في المقهى، رجل عجوز يجلس وحيدًا، وملامح وجهه تتحدث عن زمن غابر، لا أعرف عنه شيئًا سوى ما قرأناه في الكتب. ملامح تروي تجارب صراع وحروب خاضها مع الزمن. في كل تقسيمة من تقاسيم وجهه، معاناة، وتراها في عينيه حكايات سنوات مضت. لم يبقَ من أثرها سوى تلك السجارة، ولا تعلم أيهما يحترق من أجل الآخر.
أشيح نظري عن ذلك العجوز لأجد شابًا في مقتبل العمر. تفاهته بادية من حلاقة شعره، ومن ملابسه، ومن قهقهته المرتفعة، ومن صوته الصاخب. كأنه وحده في المقهى ، يحاور أصحابه بصوتٍ مرتفعٍ غير مكترث. تفاهته بادية حتى في تلك السجارة التي تحترق بين أنامله، من أجل لا شيء. يحملها ليتباهى أمام أصدقائه، وعلبة السجائر الباهظة الثمن يضعها فوق الطاولة بوضوح، منتظرًا منها أن تعطيه قيمة إضافية.
يا لهذه التفاهة! مشهدٌ يغيض الناظر.
أعاود النظر إلى ذلك العجوز، لأجده هو الآخر شاردًا في تأمل ذلك الشاب التافه. لعله يرى نفسه فيه، وربما ينظر بتحسر لتلك السجارة المشتعلة بلا مبالاة في يد الشاب. كأنه يريد أن يخبره أن تلك السجارة، في يومٍ ما، ستأتي عليه ويحترق هو من أجلها. ينظر إليه ببغضٍ، كأنه يرثي لحال هذا الجيل التافه، مندفعٍ في سعيه. كأنه يقارن بين جيلٍ وآخر. يشعل سيجارةً أخرى، ويرفع بصره نحو السماء، يسرح بنظره، ويستمر في التحديق في اللا شيء.
أجلس في مكاني، قابعةً، أراقب اللوحة، أسافر عبر الزمن. دخانٌ منبعثٌ من كلا الجهتين: دخانٌ تافه، وآخر لعله أهم مما نحن عليه. دخانٌ ينبعث من صدرٍ عاصرَ أجيالًا وشاهدَ زمانًا لم نكن فيه. دخانٌ لو حللنا جزئياته لأخذنا دروسًا تنفعنا مدى الحياة.
أكتب هذه الكلمات في أحد مقاهي مدينة فاس العريقة، أكتبها بتلقائيةٍ كلما أجّلْتُ نظري، تنهال الكلمات عليّ. وكيف لا؟ ففاس هي العاصمة العلمية، وفي مقاهيها لوحاتٌ فنية. تشدّ الكاتب إليها، فكم من شعرٍ كُتب في زاويةٍ من زوايا هذه المدينة؟ مدينةٌ انبعث منها التصوف والزجل والفن العيساوي. مدينة الطرب الأصيل والملحون. ورغم صخب شوارعها ومظاهر الحضارة والتمدن، إلا أن عبق التاريخ متغلغلٌ في هوائها.
هذه الكلمات هي تغزل في ، لوحة رسمها شابٌ وعجوز. كلامٌ كثيرٌ يجول في خاطري، أفكارٌ تتصارع في رأسي، رؤى غير واضحة، ورغباتٌ جامحة. كل شيءٍ تبعثر ودخل في بعضه البعض. أضع نقطةً على كلماتي.
أغلق دفتري، أشيحُ الأفكار عن رأسي، أرتشف قهوتي، أتنهّد، وأمضي تاركةً ورائي لوحةً زمنيةً مختصرها:
هكذا كانوا، وهكذا نحن، وهكذا
هو الزمن.
عزيزي القارئ أين تلتقي أفكارك مع كلماتي؟
تعليقات
إرسال تعليق